السيادة العراقية في ميزان القانون الدولي


تقف الدولة العراقية اليوم على مفترق طرق تاريخي يختبر صلابة كيانها وسط أمواج عاتية من الصراعات الإقليمية والدولية إذ لم تعد قضية السيادة مجرد مصطلح قانوني يدرس في أروقة الأمم بل باتت معركة وجودية تخوضها البلاد يوميا لإثبات استقلاليتها حيث يؤكد ميثاق الأمم المتحدة في مبادئه الأساسية على المساواة المطلقة ويمنع بشكل قاطع استخدام القوة أو التهديد بها ضد الحرمة الإقليمية لأي دولة مستقلة إلا أن مجريات الأحداث تكشف فجوة عميقة بين هذه المبادئ السامية والتطبيق الفعلي على الأرض لتصبح الجغرافيا العراقية ضحية لاختلال موازين القوى وهو واقع مرير دفع صانع القرار للبحث عن ضمانات قانونية ثنائية تكبح هذا الانفلات.

اتفاقية الإطار الاستراتيجي واختبار النوايا
وفي سياق البحث عن تلك الضمانات التي تحمي جسد الدولة من التدخلات أبرمت الحكومة العراقية مع الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية الإطار الاستراتيجي لتنظيم العلاقات الثنائية وقد تضمنت هذه المعاهدة بنودا واضحة وصريحة تلزم الجانب الأمريكي باحترام سيادة العراق وأمنه الداخلي مع حظر مطلق لاستغلال الأراضي أو الأجواء العراقية لتوجيه ضربات عسكرية لدول الجوار غير أن التطبيق العملي لهذه الالتزامات يواجه اليوم اختبارا مريرا يكشف بوضوح هشاشة العهود الدولية عندما تصطدم بالضرورات الاستراتيجية والمصالح العليا للدول الكبرى لتجد بغداد نفسها فجأة في قلب عاصفة لا ترحم وتدفع ثمن صراع لم تختره بل فرض عليها بقوة السلاح.

تداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية المباشرة
وتتجلى ملامح هذه العاصفة المدمرة في تحول العراق جغرافيا وسياسيا إلى إحدى أخطر ساحات التماس المباشر في النزاع المستعر بين الولايات المتحدة وإيران حيث تتعرض الأراضي العراقية لضربات عسكرية متكررة وانتهاكات جوية صارخة من كلا الطرفين المتنازعين دون أدنى اعتبار لحرمة الحدود أو سلامة المواطنين الآمنين وهذا الوضع الاستثنائي يشكل خرقا مركبا لقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار ويضع الدولة في موقف بالغ الإحراج أمام مسؤولياتها السيادية إذ لا يقتصر هذا الاستهداف المتبادل على لغة الصواريخ والطائرات المسيرة بل يتجاوز ذلك ليفرز سلسلة من التعقيدات التي تخنق مؤسسات الدولة من الداخل.

الضغوط السياسية والاقتصادية المزدوجة
وتمتد تلك التعقيدات لتأخذ شكل ضغوط سياسية واقتصادية هائلة تمارسها كلا الدولتين المتصارعتين بهدف إجبار بغداد على اتخاذ مواقف محددة أو تقديم تسهيلات لوجستية تخدم أجندات خارجية لا تمت للمصلحة الوطنية بصلة وهذه التدخلات المباشرة والمستمرة في الشأن الداخلي تضعف هيبة المؤسسات الرسمية وتعمق من انقسام القرار السيادي مما يهدد بنسف الاستقرار الهش ويفتح أبواب البلاد أمام مزيد من الارتهان للخارج الذي يجعل من العراق مجرد ورقة مساومة في طاولات المفاوضات الدولية وهو انزلاق خطير يحتم على القوى الوطنية تدارك الموقف قبل فوات الأوان.

الخلاصة ومسار استرداد السيادة
ولتدارك هذا الموقف المعقد وحماية البلاد من الانزلاق نحو المجهول فإن استرداد السيادة العراقية الكاملة يتطلب قبل كل شيء بناء جبهة داخلية صلبة وتوحيد الرؤية السياسية لتكون سدا منيعا أمام التدخلات الخارجية بالتزامن مع ضرورة استثمار كافة الأوراق الدبلوماسية للضغط بقوة في مجلس الأمن الدولي لوقف هذه التجاوزات الممنهجة وتفعيل الشكاوى الرسمية ضد أي جهة تنتهك حرمة الأراضي الوطنية ويبقى التحدي الأكبر متمثلا في القدرة على خلق توازن دقيق يزاوج بين التمسك الصارم بنصوص القانون الدولي وإدراك تحديات الواقع السياسي المرير ليعود العراق دولة مهابة لا تخضع لإملاءات القوة ولا تتنازل عن حقوقها المشروعة.