مضيق هرمز بين حق الملاحة والسيادة الوطنية


كتبه المحامي الزبير داود في 2026/9/26

يعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم حيث يمر عبره خمس استهلاك العالم من النفط. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية يبرز التساؤل المتكرر "هل تمتلك إيران الحق القانوني في إغلاق المضيق؟ وهل تملك الولايات المتحدة الشرعية لفرض فتحه بالقوة؟"

للإجابة على هذا التساؤل يجب الاحتكام إلى قواعد القانون الدولي للبحار وتحديداً "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982"  والأعراف الدولية المستقرة.

أولاً: التكييف القانوني لمضيق هرمز

يصنف مضيق هرمز في القانون الدولي على أنه "مضيق دولي" لأنه يصل بين جزأين من أعالي البحار هما الخليج العربي من جهة وخليج عمان وبحر العرب من جهة أخرى ويستخدم للملاحة الدولية. ورغم أن مياه المضيق تقع ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عمان إذ لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 21 ميلاً بحرياً، إلا أن القانون الدولي قيد سيادة الدول الساحلية على المضائق الدولية لضمان تدفق التجارة العالمية.

ثانياً: مدى شرعية إغلاق إيران للمضيق

من الناحية القانونية الصرفة تعتمد الإجابة على تحديد النظام القانوني الذي يحكم المضيق. وهنا يبرز نزاع قانوني معقد يستند إلى النقاط التالية:
1. حق المرور العابر حيث تنص المادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) على حق السفن والطائرات في المرور العابر الذي لا يجوز إعاقته كما تؤكد المادة 44 على أنه لا يجوز للدول المشاطئة للمضيق أن تعيق المرور العابر. بناءً على ذلك لا يحق لإيران إغلاق المضيق في أوقات السلم.

2. الثغرة القانونية التي تستند إليها إيران:
إيران وقّعت على اتفاقية 1982 لكنها لم تصادق عليها (أي بمعنى انها لم تقرها في برلمانها) وبالتالي فهي تجادل بأنها غير ملزمة ببنودها  بل ملزمة في اتفاقية جنيف للبحر الإقليمي لعام 1958 التي صادقت عليها والتي تمنح السفن حق "المرور البريء" وليس المرور العابر حيث ان المرور البريء يمنح الدولة الساحلية والتي هي في هذه الحالة ايران صلاحيات أوسع لتنظيم الملاحة لدواع أمنية وبيئية. ومع ذلك تنص الفقرة 4 من المادة 16 من اتفاقية 1958 صراحة على أنه لا يجوز إيقاف المرور البريء للسفن الأجنبية عبر المضائق التي تستخدم للملاحة الدولية مما يعني أنه حتى وفقاً للاتفاقية القديمة يعتبر الإغلاق التام غير قانوني في وقت السلم.

3. حالة الحرب والدفاع الشرعي: الاستثناء الوحيد الذي قد تتذرع به إيران هو في حالة اندلاع نزاع مسلح شامل مهدد لكيان الدولة وذلك بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (حق الدفاع الشرعي) والذي تجادل به إيران بأن استهدافها عسكرياً يمنحها الحق في استهداف سفن العدو أو منعها من عبور مياهها الإقليمية، لكن إغلاق المضيق بالكامل أمام سفن الدول المحايدة يعد انتهاكاً لقوانين الحرب والحياد.

ثالثاً: شرعية الولايات المتحدة في فرض فتح المضيق

في المقابل تستند الولايات المتحدة في تحركاتها العسكرية والسياسية لضمان بقاء المضيق مفتوحاً إلى أسس قانونية دولية تتمثل في الآتي:
1. العرف الدولي: رغم أن الولايات المتحدة أيضاً لم تصادق على اتفاقية 1982 إلا أنها تجادل ويدعمها في ذلك غالبية المجتمع الدولي بأن نظام المرور العابر وحرية الملاحة قد أصبحا عرفاً دولياً ملزماً لجميع الدول سواء صادقت على الاتفاقية أم لم تصادق وبالتالي تعتبر أي محاولة لإغلاق المضيق عملاً غير قانوني يهدد السلم والأمن الدوليين.

2. مبدأ حرية الملاحة: تعد حرية الملاحة من أقدم وأهم مبادئ القانون الدولي حيث تعتبر الولايات المتحدة نفسها ضامناً لهذا المبدأ بأعتبارها القوة العظمى المهيمنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حيث انها تسير عمليات عسكرية بحرية تُعرف بـ (عمليات حرية الملاحة) لتأكيد حق العبور في المضائق الدولية.

3. التدخل العسكري تحت مظلة الدفاع الشرعي وحماية التجارة: إذا قامت إيران بزرع ألغام أو مهاجمة سفن تجارية أو إغلاق المضيق بالقوة، فإن الولايات المتحدة تستند في ردها العسكري إلى حق الدفاع الشرعي الجماعي وذلك بناء على طلب دول المنطقة أو لغرض لحماية السفن التي ترفع العلم الأمريكي أو أعلام الدول الحليفة. بالأضافة الى استنادها الى قرارات مجلس الأمن حيث أن إغلاق المضيق سيعتبر بلا شك تهديداً جسيماً للاقتصاد العالمي والسلم الدولي. وفي حال حدوثه فمن المرجح أن يصدر مجلس الأمن قرارات تحت "الفصل السابع" من ميثاق الأمم المتحدة والذي يتيح استخدام القوة العسكرية لإعادة فتح المضيق مما سيمنح التحرك الأمريكي الشرعية الدولية الكاملة.

ختاماً يتضح أن أمن مضيق هرمز ليس شأناً ثنائياً محصوراً بين واشنطن وطهران بل هو قضية أمن واقتصاد دولي بامتياز. حيث إن القانون الدولي بأعرافه ومواثيقه لم يصمم ليمنح أي دولة حقاً مطلقاً في خنق شريان حيوي للتجارة العالمية. وبالتالي فإن أي مساس بحرية الملاحة في هذا المضيق سيؤدي حتماً إلى تفعيل آليات الدفاع الجماعي وتدخل مجلس الأمن مما يؤكد أن الإجماع الدولي سيوفر دائماً الغطاء القانوني والشرعي لفتح المضيق حتى وإن تطلب الأمر استخدام القوة الخشنة.